الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

35

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أي : لكل مسكن جنتان ، كقولهم : ركب القوم دوابهم ، وهذا مناسب لقوله : في مساكنهم دون أن يقول في بلادهم ، أو ديارهم ، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت محفوفة على يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافون فيها ويستثمروها مثل غوطة دمشق ، وهذا يناسب قوله بعد وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [ سبأ : 16 ] لأن ظاهره أن المبدل به جنتان اثنتان ، إلا أن تجعله على التوزيع من مقابلة المتعدد بالمتعدد . والمعنى : أنهم كانوا أهل جنّات مغروسة أشجارا مثمرة وأعنابا . وكانت مدينتهم مأرب ( بهمزة ساكنة بعد الميم ) وهي بين صنعاء وحضرموت ، قبل ، كان السائر في طرائقها لو وضع على رأسه مكتلا لوجده قد ملئ ثمارا مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها . ولعل في هذا القول شيئا من المبالغة إلّا أنها تؤذن بوفرة . وكان ذلك بسبب تدبير ألهمهم اللّه إياه في اختزان المياه النازلة في مواسم المطر بما بنوا من السد العظيم في مأرب . وجملة كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ مقول قول إما من دلالة لسان الحال كما في قوله : امتلأ الحوض وقال قطني وإما أبلغوه على ألسنة أنبياء بعثوا منهم ، قيل : بعث فيهم اثنا عشر نبيئا ، أي مثل تبع أسعد ، فقد نقل أنه كان نبيئا كما أشار إليه قوله تعالى : وَقَوْمُ تُبَّعٍ [ ق : 14 ] أو غيره ، قال تعالى : مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [ غافر : 78 ] ، أو من غيرهم مما قاله سليمان بلقيس أو مما قاله الصالحون من رسل سليمان إلى سبأ ، وفي جعل جَنَّتانِ في نظم الكلام بدلا عن آية كناية عن طيب تربة بلادهم . قيل : كانوا يزرعون ثلاث مرات في كل عام . والطيّبة : الحسنة في جنسها الملائمة لمزاولها ومستثمرها قال تعالى : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ [ يونس : 22 ] وقال : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] وقال : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ الأعراف : 58 ] وقال : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [ آل عمران : 38 ] . وفي حديث أبي طلحة في صدقته بحائط ( بئر حاء ) : « وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب » . والطيّب ضد الخبيث قال تعالى : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [ النساء : 2 ] وقال : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] .